الشيخ محمد الصادقي
261
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
43 - حالكونهم مُهْطِعِينَ : مصوّبين أعناقهم ورافعين مُقْنِعِي : رافعي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ شاخصين لهول الموقف المطّلع ، فهم في ثالوث الشخوص ، ثم وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ هاوية خاوية كأن لا أفئدة لهم إلا هباء ، والفؤاد هنا هو القلب المتفئد بالنار ، كما في " نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ " ( 104 : 7 ) يعاكسه فؤاد رسول الهدى : " ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى " ( 53 : 11 ) قلبا متفئدا مشتعلا بالنور ، وأين فؤاد من فؤاد ، وهنا " الفؤاد " كأن لا فؤاد إلا فؤاده . 44 - وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ككلّ ، كما هم يدخلون النار " ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا . . " ( 19 : 72 ) فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ظلما فاتكا هاتكا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ إلينا وهو حياة التكليف حيث تركناها من قريب ، لكي نُجِبْ دَعْوَتَكَ ثم بالنتيجة وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ألم تكونوا مهملين الحق عمدا " أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ " ( 35 : 37 ) أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ هذا ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ على أية حال . 45 - وَسَكَنْتُمْ مكانا ومكانة فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ من ذي قبل وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ من عذاب هنا بما ظلموا وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ وحيا وسواه ليتنبّهوا . 46 - وَقَدْ مَكَرُوا هؤلاء القدامى المقلدين مَكْرَهُمْ ما استطاعوا على الحق وَعِنْدَ اللَّهِ علما وقدرة مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ككلّ ، ولكنه ليس عند اللّه غلبا ، " فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً " . 47 - فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ في كلّما وعدهم ومنه تعذيبهم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ " غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ " ذُو انتِقامٍ في موضع النكال والنقمة . 48 - وأهمه ، بعد الدنيا والبرزخ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ في تبديل التدمير ومن ثم التعمير ، فهي هي وهي غيرها ، إذ تتبدل أعلامها " وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً " " لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً " ( 20 : 107 ) وَبَرَزُوا كلهم بعد خفاءهم عنه كما كانوا يزعمون لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . 49 - وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ حينئذ مُقَرَّنِينَ قرنا ، وجمعا بين نظراءهم فِي الْأَصْفادِ وهي الأغلال الجامعة بين الأيدي والأعناق " وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً " ( 25 : 13 ) وكما كانوا هنا مقرنين في أصفاد الإجرامات مع بعض البعض " جَزاءً وِفاقاً " . 50 - سَرابِيلُهُمْ أقمصتهم مِنْ قَطِرانٍ مادة شديدة القابلية للإحراق مثل القير وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ في دار القرار ، كما غشتها في دار الفرار " جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ " . 51 - كل ذلك لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ دون زيادة ونقيصة إلا خيرا ف " لَدَيْنا مَزِيدٌ " وكيف يجزى الكافر دون نهاية ، وقد كان ما كسب محدودا بكل الحدود ، وهو هو نفسه جزاءه ، فهنا " ما كَسَبَتْ " تعني " بما كسبت " " جَزاءً وِفاقاً " بظهور العمل بملكوته وحقيقته إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ . 52 - هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ كل الناس ومعهم كافة المكلفين ، ليعلموا يصدقوا و . . وَلِيُنْذَرُوا بِهِ عما أعده اللّه من عذاب إن لم يؤمنوا وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ " إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ " ( 50 : 37 ) فاللب هنا هو القلب الخالص الخالي عن قشر ، وقبله العقل الخارج عن قشور .